
لا يمكن اختزال مكافحة التبغ في يوم توعوي سنوي. فكل يوم يدخل مدخّنون جدد في دوامة الإدمان، في سن أصغر فأصغر، عبر منتجات تتجدد باستمرار وقنوات توزيع باتت تفلت من الأطر التقليدية. يضم العالم اليوم 1.2 مليار مدخّن، ويودي التبغ سنوياً بحياة 8 ملايين شخص أي ما يعادل عدد سكان بلدان بأكملها يُحصدون كل عام. ومن بين هؤلاء الضحايا، 1.5 مليون لم يُدخّنوا قط: إنهم مدخّنون سلبيون، تعرّضوا لدخان أزواجهم أو زملائهم أو محيطهم في الأماكن المغلقة.
التحفيز بدلاً عن التخويف
في مواجهة هذا الواقع، تغدو مسألة منهجية التوعية حاسمة. فالمقاربة القائمة على الخوف : الأرقام الصارخة، والصور المروّعة، وتهديد الأمراض .. محدودة الأثر. في المقابل، تثبت المقاربة التحفيزية، التي تتمحور حول المكاسب الملموسة
. والتدريجية للإقلاع، فاعليتها الأكبر في إحداث تغيير سلوكي دائم آثار الإقلاع عن التدخين قابلة للقياس منذ الساعات الأولى. فبعد ساعتين إلى ثلاث ساعات، يبدأ معدل ضربات القلب في الانخفاض وتتراجع ضغط الدم. وبعد أسبوعين، تخفّ السعال الصباحي والبلغم بشكل ملحوظ. وبعد عام من الامتناع، ينخفض الخطر القلبي بنسبة 50 %. وبعد خمس سنوات، يعود ملف المخاطر القلبية الوعائية إلى مستوى غير المدخّن. كما تتحسّن القدرة على المجهود البدني تدريجياً، ليستعيد المريض أنشطة يومية بدت بعيدة المنال — صعود الدرج، . والمشي، وممارسة الرياضة.
في المقابل، تتعدد عواقب الاستمرار في التدخين وتشتد خطورتها: سرطان الرئة والمثانة وأعضاء أخرى عديدة، والسكتات الدماغية، والتهابات الجهاز التنفسي، والالتهاب الرئوي، وأضرار الشرايين التاجية. يعمل التبغ عبر إنتاج مواد سامة — القطران وأول أكسيد الكربون والمواد المسرطنة — تُلحق الضرر بالجدار الداخلي للأوعية الدموية وتُسبب تضيّقها. ويكفي إصابة حوض تاجي واحد لتعريض المدخّن لاحتشاء عضلة القلب القاتل المحتمل، بما في ذلك أثناء مجهود البدني.
التدخين السلبي: واقع مُهمَل
لا يحمي التمييز بين المدخّن النشط وغير المدخّن هذا الأخير تلقائياً من آثار التبغ. فحتى في غياب الاستنشاق المباشر يعرّض الدخان المحيط لمخاطر مماثلة. والاعتقاد بأن «التدخين دون استنشاق» يكون بلا ضرر وهمٌ: الدخان البيئي لا يقل خطورةً. وكذلك فإن النشاط الرياضي لا يشكّل درعاً واقية من آثار التبغ — بل على العكس، يزيد الجمع بين الرياضة المكثّفة والتدخين من خطر الموت القلبي المفاجئ.
في تونس، كما في سائر بلدان المغرب العربي، يبقى تطبيق حظر التدخين في الأماكن العامة قاصراً. وفي البلدان التي يُطبَّق فيها هذا الحظر بصرامة، تراجعت معدلات التدخين بشكل لافت: فالقيد العملي كالاضطرار إلى مغادرة المكان والبحث عن بقعة مسموح فيها بالتدخين يُعدّل السلوك على المدى البعيد.
الأجيال الجديدة في مواجهة استراتيجيات الصناعة
يكمن أحد أبرز تحديات الوقاية المعاصرة في تطور استراتيجيات صناعة التبغ. فالمنتجات الجديدة كالسجائر الإلكترونية المُعطّرة، وأجهزة النيكوتين ذات النكهات الجذابة مُصمَّمة عمداً لاستهواء الشباب. وهي تستعير رموز الحلوى أو مستحضرات التجميل، فتُشوّش الإدراك بالمخاطر. غير أن الإدمان على النيكوتين يكون أشد وطأةً في سن المراهقة: إذ يُعيق التركيز، ويتدخل في نمو الدماغ، ويترسّخ بعمق أكبر مما هو عليه في مرحلة البلوغ.
لطالما أدّت الصورة الاجتماعية للتبغ دوراً في جاذبيته لدى الشباب : المدخّن كرمز للرجولة أو التمرد. وهذه الصورة في تحوّل، وهو رافعة ينبغي استثمارها: إذ بات المدخّن يُنظر إليه بصورة متزايدة بوصفه ضحية إدمانه لا نموذجاً يُحتذى. ولا بد لحملات التوعية أن تتكيّف مع هذه الديناميكيات الثقافية الجديدة، وأن تنتقل إلى الفضاءات الرقمية حيث يتواجد الشباب فعلاً، مستعينةً بشخصيات عامة ذات مصداقية تشهد على مساراتها الشخصية في الإقلاع.
طرق الإقلاع المتاحة
أثبتت مقاربات عدة فاعليتها في دعم الإقلاع عن التدخين. فالوخز بالإبر والتنويم الإيحائي والعلاج النفسي تُسجّل معدلات نجاح تتراوح بين 70 % و80 % حين تُجرى على يد متخصصين مؤهّلين. كما أن المتابعة الطبية أو النفسية المنظّمة ترفع احتمالات النجاح بشكل ملحوظ مقارنةً بمحاولات الإقلاع المنفردة.
وبالنسبة للمدخنين الذين لا يستطيعون التوقف فوراً، تتوفر استراتيجيات لتخفيض الأضرار. إذ تتيح بدائل النيكوتين اللصقات، والعلكات، والأقراص تحت اللسان الحفاظ على جرعة نيكوتين مع إلغاء التعرض للمواد السامة الناجمة عن الاحتراق. فالنيكوتين في حد ذاته لا يُحدث سوى تأثير معتدل على الجهاز القلبي الوعائي يرفع معدل ضربات القلب قليلاً، غير أن تأثيره الرئيسي يظل على الدماغ. فالمواد الناجمة عن الاحتراقالقطران وأول أكسيد الكربون والمواد المسرطنة هي التهديد الأساسي للشرايين التاجية.
وفي هذا السياق، يمكن للسيجارة الإلكترونية والتبغ المسخّن أن يكونا مرحلة انتقالية لمدخّني البالغين الذين أخفقوا مراراً في الإقلاع. فهذه المنتجات تُنتج كميات أقل من المواد السامة مقارنةً بالسيجارة الكلاسيكية وهو انخفاض قد يكون بالغ الأهمية وفق البيانات المتاحة. بيد أنها لا تخلو من مخاطر: التركيب الدقيق للسوائل المستخدمة في السجائر الإلكترونية غير معروف بالكامل، إذ لم تُبدِ شركات التصنيع شفافية تامة، ولا تغطّي الدراسات المستقلة جميع التركيبات المتداولة، بما فيها المستحضرات المنزلية المجهولة المكونات والتمييز هنا جوهري: قد تُشكّل هذه المنتجات مرحلة ضمن مسار الإقلاع للمدخّنين البالغين المدمنين أما أن تكون بوابة دخول إلى التدخين للشباب فهذا أمر مرفوض قطعاً.
ديناميكية إقليمية مثيرة للقلق
يُعدّ المغرب العربي من النادر من المناطق في العالم التي لا تزال فيها معدلات التدخين في ارتفاع، عكس الاتجاهات العالمية. وهذه الخصوصية تستدعي استجابة منسّقة على المستوى الإقليمي: توحيد السياسات الجبائية، وتوحيد حملات الوقاية، وبناء شبكات من المهنيين الصحيين المتخصصين في مساعدة المدخنين على الإقلاع. ورفع سعر التبغ لا يزال رافعةً معترفاً بها، لكن فاعليته مشروطة بالقدرة على الحدّ من نمو السوق الموازية، التي تطرح منتجاتها المجهولة التركيب مخاطر إضافية.
الخروج من التدخين ممكن. وهو موثّق وقابل للقياس، وآلاف الأشخاص خبروه. الاعتقاد بأن الإقلاع مستحيل ليس حقيقة بيولوجية، بل هو بناء تُشيّده الإدمانُ نفسه في الذهن. لا يحلّ التبغ أياً من المصاعب التي يُظنّ أنه يُعالجها: الارتياح الذي يُوهم به لا يدوم سوى ثلاثين ثانية، ويُغذّي حلقة إدمانية تُضيف عبئاً إلى الأعباء القائمة. البدء في مسار الإقلاع، المرافقة المناسبة، يبقى القرار الأنفع الذي يمكن لمدخّن اتخاذه لصحته



