الانتباه والتركيز: كيف يعمل الدماغ؟ ومتى يصبح ضعف التركيز مشكلة؟

15/09/2026   صحة عامة   الصحة النفسية   651  
الدكتورة آمنة شطورو الميلادي

الانتباه والتركيز: كيف يعمل الدماغ؟ ومتى يصبح ضعف التركيز مشكلة؟


يُعدّ الانتباه والتركيز من أهم الوظائف العقلية التي يعتمد عليها الإنسان في حياته اليومية. فمن خلالهما يستطيع الدماغ استقبال المعلومات، معالجتها، تحديد ما هو مهم منها، ثم الاستجابة بطريقة مناسبة.

وقد يمرّ كل شخص بفترات يشعر خلالها بصعوبة في التركيز أو بتشتّت الأفكار. وغالبًا ما تكون هذه المشكلة مؤقتة وترتبط بعوامل مثل قلة النوم، التعب، الضغط النفسي أو كثرة استخدام الشاشات. لكن في بعض الحالات، قد يكون ضعف التركيز مستمرًا أو مصحوبًا بأعراض أخرى، مما يستدعي البحث عن السبب.

 

ما المقصود بالانتباه والتركيز؟

الانتباه هو قدرة الدماغ على توجيه موارده العقلية نحو معلومة أو مهمة معينة، مع تجاهل المثيرات الأخرى الموجودة في المحيط.

أما التركيز، فيشير إلى القدرة على الحفاظ على هذا الانتباه لفترة كافية لإنجاز مهمة محددة.

فعندما يقرأ الإنسان كتابًا، أو يتابع درسًا، أو يعمل على مهمة تتطلب التفكير، يحتاج الدماغ إلى المحافظة على الانتباه لفترة معينة حتى يتمكن من فهم المعلومات ومعالجتها بشكل جيد.

 

كيف يعمل الدماغ أثناء التركيز؟

التركيز ليس وظيفة منطقة واحدة من الدماغ، وإنما يعتمد على تفاعل مجموعة من المناطق والشبكات العصبية، وخاصة المناطق المسؤولة عن التخطيط، اتخاذ القرار والتحكم في السلوك.

كما تلعب بعض النواقل العصبية، مثل الدوبامين والنورأدرينالين، دورًا مهمًا في تنظيم الانتباه واليقظة والتحفيز.

ولهذا السبب يمكن أن تتأثر القدرة على التركيز نتيجة عوامل مختلفة، سواء كانت مرتبطة بالنوم، الحالة النفسية، الصحة العامة أو بعض الاضطرابات العصبية.

 

لماذا نشعر أحيانًا بضعف التركيز؟

هناك أسباب عديدة يمكن أن تؤدي إلى تراجع الانتباه، وأكثرها شيوعًا يرتبط بنمط الحياة.

قلة النوم أو النوم غير المنتظم يمكن أن يجعلا الشخص يشعر بالتعب الذهني وبصعوبة في الحفاظ على التركيز. كما يمكن للتوتر والقلق المستمرين أن يشغلا جزءًا كبيرًا من الموارد العقلية، مما يجعل التركيز على مهمة واحدة أكثر صعوبة.

وقد يؤدي الإرهاق، سواء كان جسديًا أو ذهنيًا، إلى انخفاض مؤقت في القدرة على الانتباه. كما أن الانتقال المستمر بين الهاتف، مواقع التواصل الاجتماعي، الرسائل والعمل أو الدراسة قد يجعل الدماغ أكثر عرضة للتشتت.

وفي بعض الحالات، يمكن أن يكون ضعف التركيز مرتبطًا بالاكتئاب، أو ببعض الأدوية، أو باضطرابات صحية مثل اضطرابات الغدة الدرقية أو بعض حالات نقص العناصر الغذائية.

كما يمكن أن نلاحظ صعوبات في الانتباه لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، والذي غالبًا ما يبدأ منذ مرحلة الطفولة.

 

هل ضعف التركيز يعني ضعف الذاكرة؟

ليس بالضرورة.

كثيرًا ما يعتقد الشخص أنه يعاني من ضعف في الذاكرة، بينما تكون المشكلة في الحقيقة مرتبطة بالانتباه.

فعندما لا ينتبه الإنسان جيدًا إلى معلومة معينة منذ البداية، قد يجد صعوبة في تذكرها لاحقًا. وفي هذه الحالة، لا تكون المشكلة بالضرورة في تخزين المعلومة في الذاكرة، وإنما في مرحلة استقبالها ومعالجتها.

لهذا السبب من المهم التمييز بين اضطراب الانتباه واضطراب الذاكرة، خاصة عندما تتكرر الشكوى أو تبدأ بالتأثير على الحياة اليومية.

 

هل ضعف التركيز يمكن أن يكون علامة على مرض عصبي؟

في معظم الحالات، لا يعني ضعف التركيز وحده وجود مرض عصبي خطير.

لكن عندما يكون التراجع في التركيز جديدًا، مستمرًا أو يزداد تدريجيًا، فمن المهم تقييمه ضمن السياق العام للحالة الصحية للشخص.

وتزداد أهمية التقييم الطبي عندما يكون ضعف التركيز مصحوبًا باضطراب واضح في الذاكرة، تغيرات في الشخصية أو السلوك، صعوبة في الكلام أو فهم الكلام، اضطرابات في الرؤية أو التوازن، أو أعراض عصبية أخرى.

كما أن ظهور اضطراب مفاجئ في التركيز أو الوعي، خاصة إذا ترافق مع ضعف أو تنميل في أحد جانبي الجسم أو اضطراب في الكلام أو الرؤية، يستوجب تقييمًا طبيًا عاجلًا.

 

كيف نحافظ على تركيز جيد؟

صحة الدماغ تبدأ من العادات اليومية.

النوم المنتظم والكافي من أهم العوامل التي تساعد الدماغ على الحفاظ على الانتباه. كما أن ممارسة النشاط البدني بانتظام تساهم في الحفاظ على صحة الدماغ والوظائف المعرفية.

ومن المفيد أيضًا تقليل مصادر التشتيت أثناء العمل أو الدراسة، خصوصًا إشعارات الهاتف والتصفح المتكرر لمواقع التواصل الاجتماعي.

كما يُفضل التركيز على مهمة واحدة في كل مرة بدل محاولة القيام بعدة مهام في الوقت نفسه. ويمكن تقسيم المهام الطويلة إلى فترات عمل تتخللها فترات راحة قصيرة، مما يساعد على الحفاظ على مستوى أفضل من الانتباه.

ولا يجب إهمال التغذية المتوازنة وشرب كمية كافية من الماء، مع تجنب اللجوء إلى المكملات الغذائية أو المنبهات بشكل عشوائي بهدف تحسين التركيز، دون وجود حاجة طبية واضحة.

 

متى ينبغي استشارة الطبيب؟

إذا أصبح ضعف التركيز متكررًا أو مستمرًا، أو بدأ يؤثر على الدراسة أو العمل أو الحياة اليومية، فمن الأفضل استشارة الطبيب لتحديد السبب.

وقد يكتفي الطبيب في بعض الحالات بأخذ التاريخ المرضي وإجراء فحص سريري وعصبي، بينما قد تكون هناك حاجة إلى تحاليل أو فحوصات إضافية حسب الأعراض والسياق الصحي.

فالهدف ليس فقط تحسين التركيز، وإنما فهم السبب وراء تراجعه ومعالجة المشكلة من جذورها.

 

التركيز وظيفة تحتاج إلى العناية

الانتباه والتركيز ليسا مجرد مسألة إرادة أو قدرة على "إجبار النفس" على العمل. إنهما وظيفتان معقدتان تتأثران بالنوم، التوتر، الحالة النفسية، الصحة العامة والبيئة المحيطة بنا.

لذلك، فإن الشعور بالتشتت من وقت إلى آخر أمر طبيعي، لكن استمرار المشكلة أو تأثيرها على الحياة اليومية يستحق الاهتمام.

وفي كثير من الحالات، يمكن لعادات بسيطة مثل النوم الجيد، النشاط البدني، تقليل المشتتات وتنظيم الوقت أن تساعد الدماغ على استعادة قدرته الطبيعية على التركيز.

 


أرسل إلى صديق
sms viber whatsapp facebook

اكتشف تطبيقنا لتجربة أفضل!
Google Play
App Store
Huawei AppGallery