
يُعدّ الانتباه من أهم الوظائف العقلية والتمهيدية التي يعتمد عليها الإنسان في حياته اليومية. فمن خلاله يستطيع الدماغ استقبال المعلومات من المحيط، اختيار ما هو مهم منها، وتجاهل المثيرات الثانوية، ليمهد الطريق لاحقاً للعمليات المعرفية الأخرى كالتركيز والاستيعاب.
وقد يمرّ كل شخص بفترات يشعر خلالها بصعوبة في توجيه انتباهه أو بتشتّت الأفكار. وغالبًا ما تكون هذه المشكلة مؤقتة وترتبط بعوامل مثل قلة النوم، التعب، الضغط النفسي، أو كثرة المشتتات الحديثة. لكن في بعض الحالات، قد يكون ضعف الانتباه مستمرًا، مما يستدعي البحث عن السبب الطبي أو النفسي وراءه.
ما المقصود بالانتباه؟
الانتباه هو قدرة الدماغ البيولوجية والعصبية على توجيه موارده الذهنية ونشاطه نحو معلومة أو مثير معين (بصري، سمعي، أو فكري)، مع حجب وتجاهل المثيرات الأخرى الموجودة في المحيط.
وهو بمثابة "البوابة الأولى" لمعالجة المعلومات؛ فبدون انتباه أولاً، لا يمكن للدماغ الانتقال إلى المرحلة التالية وهي التركيز (الذي يعني الحفاظ على هذا الانتباه واستدامته لفترة أطول لإنجاز مهمة محددة).
كيف يعمل الدماغ أثناء عملية الانتباه؟
الانتباه عملية معقدة لا تعتمد على منطقة واحدة فقط، بل تعتمد على شبكات عصبية متكاملة (مثل الشبكات الجبهية والجدارية) المسؤولة عن التوجيه والسيطرة على المقدرات الذهنية.
كما تلعب النواقل العصبية دوراً جوهرياً في هذه العملية، وأبرزها:
- الدوبامين: المسؤول عن التحفيز وتوجيه الانتباه نحو المثيرات المهمة.
- النورأدرينالين: المسؤول عن اليقظة والاستجابة للمحيط.
ولهذا السبب، فإن أي خلل أو اضطراب في هذه الكيمياء العصبية يؤثر مباشرة على قدرة الفرد على الانتباه.
لماذا نشعر أحيانًا بضعف أو تشتت الانتباه؟
هناك أسباب متعددة تؤدي إلى تراجع الانتباه، وتتنوع بين نمط الحياة والعوامل الصحية:
- نمط الحياة والبيئة: قلة النوم، الإرهاق الذهني، والتعرض المستمر للمشتتات (كالإشعارات الهاتفية والتنقل السريع بين الشاشات) ترهق شبكات الانتباه في الدماغ.
- الضغط النفسي والتوتر: الاستجابة للضغط تُشغل الموارد العقلية بمثيرات جانبية، مما يقلل من القدرة على الانتباه للمهام الأساسية.
- الأسباب الطبية والصحية: مثل اضطرابات الغدة الدرقية، نقص بعض العناصر الغذائية، الاكتئاب، أو الأعراض الجانبية لبعض الأدوية.
- الاضطرابات النمائية والعصبية: وعلى رأسها اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ، والذي ينجم عن اختلاف في طريقة عمل الشبكات العصبية والنواقل المسؤول عن الانتباه منذ الطفولة.
هل ضعف الانتباه يعني ضعف الذاكرة؟
ليس بالضرورة، ولكن هناك ارتباط وثيق بينهما.
كثيرًا ما يعتقد الشخص أنه يعاني من مشكلة في الذاكرة، بينما تكون المشكلة الحقيقية في مرحلة الانتباه الأولى. فعندما لا يستقبل الدماغ المعلومة وينتبه لها بشكل كافٍ منذ البداية، لن يتم تسجيلها أو معالجتها بشكل صحيح، وبالتالي يصعب استرجاعها لاحقًا. فالضعف هنا في "استقبال" المعلومة لا في "تخزينها".
متى يستدعي ضعف الانتباه تقييمًا طبيًا؟
في معظم الأحيان، يكون تشتت الانتباه مؤقتًا ومقترنًا بالإجهاد. لكن ينبغي استشارة الطبيب في الحالات التالية:
- إذا كان ضعف الانتباه مستمرًا أو يزداد سوءًا وتأثيره واضحًا على العمل أو الدراسة.
- إذا كان متبوعًا بتغيرات في السلوك، صعوبات في الكلام، أو مشاكل في التوازن والرؤية.
- إذا ظهر التشتت بشكل مفاجئ وحاد، حيث يتطلب ذلك تقييمًا عصبيًا مستعجلاً.
كيف نحافظ على جودة الانتباه؟
- النوم الكافي والمنتظم: لإعطاء الشبكات العصبية فرصة لاستعادة نشاطها.
- تقليل المشتتات الخارجية: إيقاف الإشعارات غير الضرورية أثناء العمل.
- النشاط البدني: يساهم في تحفيز إفراز النواقل العصبية الداعمة للانتباه كالدوبامين.
- تجنب العمل المتعدد: وتوجيه الذهن لمثير أو مهمة واحدة في كل مرة.



